مركز الثقافة والمعارف القرآنية
672
علوم القرآن عند المفسرين
النسخ ، بل إن قوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً « 1 » . بنفسه دليل على عدم النسخ ، فإنه دل على أن النفر لم يكن واجبا على جميع المسلمين من بداية الأمر ، فكيف يكون ناسخا للآية المذكورة ؟ ! . 25 - عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ « 2 » . فعن ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وقتادة : أن هذه الآيات منسوخة « 3 » بقوله تعالى : فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ « 4 » . والحق : أن الآيات الثلاث لا نسخ فيها ، لأن صريحها ان المنع من الاستئذان وعتاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على اذنه إنما هو في مورد عدم تميز الصادق من الكاذب . وقد بين سبحانه وتعالى أن غير المؤمنين كانوا يستأذنون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في البقاء فرارا من الجهاد بين يديه ، فأمره بأن لا يأذن لأحد إذا لم يتبين حاله . أما إذا تبين الحال ، فقد أجاز اللّه المؤمنين أن يستأذنوا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في بعض شأنهم . وأجاز للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يأذن لمن شاء منهم . وإذن فلا منافاة بين الآيتين لتكون إحداهما ناسخة للأخرى . 26 - ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ « 5 » . فعن ابن زيد : انها منسوخة « 6 » بقوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً « 7 » . والحق : أنه لا نسخ فيها . فان الآية الثانية قرينة متصلة بالآية الأولى . وحاصل المراد منهما : أن وجوب النفر إنما هو على البعض من المسلمين على نحو الكفاية ، فلا تكون ناسخة . نعم قد يجب النفير إلى الجهاد على جميع المسلمين إذا اقتضته ضرورة وقتية ،
--> ( 1 ) سورة التوبة : الآية 122 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 43 - 45 . ( 3 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 170 . ( 4 ) سورة النّور : الآية 62 . ( 5 ) سورة التّوبة : الآية 120 . ( 6 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 187 ، ونسب القرطبي القول بالنسخ فيها إلى مجاهد أيضا ج 8 ص 392 . ( 7 ) سورة التوبة : الآية 122 .